محمد بن عبد الله الحسيني الموسوي ( كبريت )
25
رحلة الشتاء والصيف
منازلها البهية المأنوسة ، ولما دخلتها وجدتها بديعة الأوصاف ، مخضرة الجوانب والأكناف ، بها الجوامع الجامعة للمحاسن ، والمدارس الحافلة بالمكانة والأماكن ، ورأيت أهلها أرقّ أخلاقاً من النسيم ، وألطف شمائلاً من الشَمول والشميم ، إلا ما شاء من الأوغاد وجبابرة العباد ، ورأيت لهم الذكاء المتوقد ، والذوق المتجدد ، مع كمال الجَدِّ في الجِدِّ والاجتهاد ، وبذل النفوس النفيسة في تحصيل المراد ، فلله دَرَّهم ، ولا زال يزداد ويزدان بهم بِرّهم وبَرّهم ، فلقد تحقق بهم صدق القائل : قل للذي سار بلاد الورى . . . وأظهر القوّة والباسا مَنْ لا رأى مصراً ولا أهلها . . . فما رأى الدنيا ولا الناسا وما أصدق من قال : ما مصر إلا بلدة ما مثلها . . . غريبها يرتع في نعيمها نسيمها ألطف شيءٍ في الورى . . . وأهلها ألطف من نسيمها ثم أقمت بها برهة من الأيام ، صحبة الأخلاء الكرام ، أطوف بأكنافها البهية ، وألوي على أعكانها الشهية : بالسفح حيناً وبالبقعاء آونة . . . وبالكثيب زماناً والأثيلات ثم لم أزل أتعهد الجامع الأزهر ، وأتردد على كلّ درس فيه أوضح تقريراً من الشمس وأنور ، وأحاول النفس على أن استزيد عِلماً ، فيعاجلني من مضض الأيام ما يربو على خَطْب الدهر هماً وغماً ، وأجد الفهم لذلك كليلاً ، والقلب سقيماً عليلاً ، والشروط غير متوفرة ، والدواعي متعذرة أو متعسرة ، كيف لا وقد قيل : لو كلفت بصلة ما حفظت مسألة وأنى يكون ذلك مع اشتغال البال ، واشتعال البلبال :